الشيخ محمد رشيد رضا
347
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يستطيع الاتيان بمثله في نظمه وفصاحته وبلاغته ، ولا في علومه وحكمه ومعارفه ، إذ لو كان مثله مما تصل اليه قدرته لظهر على لسانه شيء من مثله أو ما يقرب منه فيما مضى من حياته - وهو أربعون سنة ونيف - . وقد أمره اللّه تعالى أن يقيم عليهم هذه الحجة بقوله ( 10 : 17 فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ) وما كان كفر أمثال هؤلاء الا عن كبر وعناد ومكابرة للحق . ومنهم من كان يعرض عن سماع القرآن خشية أن يؤثر في قلبه ، وينتزعه من الدين الذي ألفه طول عمره ، ومنهم من كان يصغي سمعه إلى القرآن بقصد الاكتشاف والاختبار ، ولكنه لا يعقل المراد منه ، ولا يفقه حججه وبيناته ، إما لعدم توجه ذهنه إلى ذلك لعراقته في التقليد والانس بما درج عليه الآباء وهو الأكثر ، وإما للبلادة وانحطاط الفكر عن التسامى إلى هذه المعارف العالية فيه ، وكان هذا قليلا في العرب ولا سيما أهل مكة وهم أفصح قريش التي هي أفصح العرب . وقد بين اللّه تعالى حال هذا الفريق الذي لم يكن حظه من الاستماع إلى النبي ( ص ) الا كحظ النعم من سماع أصوات البشر فقال وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ أيها الرسول إذا تلوت القرآن داعيا إلى توحيد اللّه منذرا يوم القيامة وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً أي وجعلنا على آلة الفهم والإدراك من أنفسهم - وهي قلب الانسان ولبه - أغطية حائلة دون فقهه ، ونفوذ الافهام إلى أعماق علمه ، وفي آذانهم وقرا أي ثقلا أو صمما حائلا دون سماعه بقصد التدبر واستبانة الحق منه . ومعنى هذا الجعل ما مضت به سنة اللّه اللّه تعالى في طباع البشر من كون التقليد الذي يختاره الانسان لنفسه يكون مانعا له باختياره من النظر والاستدلال والبحث عن الحقائق ، فهو لا يستمع إلى متكلم ولا داع لأجل التمييز بين الحق والباطل ، وإذا وصل إلى سمعه قول مخالف لما هو دين له أو عادة لا يتدبره ولا يراه جديرا بأن يكون موضوع المقابلة والتنظير مع ما عنده من عقيدة أو رأي أو عادة . وجعل الأكنة على القلوب والوقر في الآذان في الآية من تشبيه الحجب والموانع المعنوية ، بالحجب والموانع الحسية ، فان القلب الذي لا يفقه الحديث ولا يتدبره كالوعاء الذي وضع عليه الكن أو الكنان وهو الغطاء حتى لا يدخل فيه شيء ، والآذان التي لا تسمع الكلام سماع فهم وتدبر كالاذان